الشيخ محمد عبد العظيم الزرقاني

521

مناهل العرفان في علوم القرآن

والتمام . ولكن يمكننا فهم ما نهتدى به بقدر الطاقة . ويحتاج في هذه إلى علم الإعراب . وعلم الأساليب ( المعاني والبيان ) . ولكن مجرد العلم بهذه الفنون وفهم مسائلها وحفظ أحكامها لا يفيد المطلوب . ترون في كتب العربية أن العرب كانوا مسدّدين في النطق ، يتكلمون بما يوافق القواعد قبل أن توضع . أتحسبون أن ذلك كان طبيعيا لهم ؟ كلا . وإنما هي ملكة مكتسبة بالسماع والمحاكاة ، لذلك صار أبناء العرب أشدّ عجمة من العجم عندما اختلطوا بهم . ولو كان طبيعيا ذاتيا لهم ، لما فقدوه في مدة خمسين سنة من بعد الهجرة . ( ثالثها ) . علم أحوال البشر . فقد أنزل اللّه هذا الكتاب وجعله آخر الكتب وبين فيه ما لم يبينه في غيره . وبين فيه كثيرا من أحوال الخلق وطبائعه وسننه الإلهية في البشر ، وقصّ علينا أحسن القصص عن الأمم وسيرها الموافقة لسنته فيها . فلا بدّ للناظر في هذا الكتاب من النظر في أحوال البشر في أطوارهم وأدوارهم ومنا شئ اختلاف أحوالهم ، من قوة وضعف ، وعز وذل ، وعلم وجهل وإيمان وكفر . ومن العلم بأحوال العالم الكبير علوية وسفليه . ويحتاج في هذا إلى فنون كثيرة ؛ من أهمها التاريخ بأنواعه . أجمل القرآن الكلام عن الأمم ، وعن السنن الإلهية ، وعن آياته في السماوات والأرض وفي الآفاق والأنفس ، وهو إجمال صادر عمن أحاط بكل شئ علما . وأمرنا بالنظر والتفكير والسير في الأرض لنفهم إجماله بالتفصيل الذي يزيدنا ارتقاء وكمالا ولو اكتفينا من علم الكون بنظرة في ظاهره ، لكنّا كمن يعتبر الكتاب بلون جلده ، لا بما حواه من علم وحكمة . ( رابعها ) العلم بوجه هداية البشر كلهم بالقرآن ، فيجب على المفسر القائم بهذا الفرض الكفائي أن يعلم ما كان عليه الناس في عصر النبوّة من العرب وغيرهم . لأن القرآن ينادى بأن الناس كلهم كانوا في شقاء وضلال ، وأن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم بعث به لهدايتهم وإسعادهم . وكيف يفهم المفسر ما قبحته الآيات من عوائدهم على وجه الحقيقة